ملا محمد مهدي النراقي
187
جامع الأفكار وناقد الأنظار
لا تكون لها حركة ولا زمان حتّى يجري فيها براهين بطلان التسلسل ، والحركات الّتي نشاهد من بعضها يجوز أن تكون طارية مسبوقة بسكون أزلي ؛ والحاصل انّ براهين ابطال التسلسل لا يفيد أزيد من تناهي الحركة والزمان وهو لا يوجب تناهى العالم ، لجواز أن تكون أصوله الأوّلية قديمة ساكنة لا متحركة ولا منتزعة عنها الزمان ، فلا يثبت منه تناهي العالم من جانب البداية ؛ قلت : أمّا أوّلا : انّه لا ريب انّ أصول العالم الجسماني منحصرة بالافلاك والعناصر ، والأجسام عند العقلاء منحصرة بهما ، وحركة الأفلاك عندهم واجبة ولا يجوز سكونها في وقت ، والدليل عليه ظاهر . ولا ريب أنّ العناصر ليست متقدّمة على الأفلاك في الوجود ، فهي إمّا متأخّرة عنها أو مقارنة لها في الوجود ، وعلى التقديرين لا ينفكّ العالم عن الحركة والزمان ، ويلزم منه تناهى السكون للأجسام الساكنة . امّا ثانيا : فلأنّه لو سلّم جواز السكون للأفلاك أيضا وقلنا انّ الحركة الّتي للافلاك طارية مسبوقة بالسكون أو احتملنا وجود أجسام أخر ساكنة سوى الأفلاك والعناصر وقلنا هي الأجسام الأوّلية ، نقول : لا ريب أنّ وجود الأجسام وإن كانت ساكنة لا ينفكّ عن الامتداد الواقعي المعبّر عنه بالزمان ، فيجري فيه ادلّة ابطال التسلسل ويثبت به تناهيه ، ومنه يظهر تناهي العالم من جانب البداية . وأمّا ثالثا : فانّ المتكلّمين أقاموا حجّة على عدم جواز كون السكون قديما ؛ وتقرير حجّتهم : انّ السكون أمر وجودي لأنّ الكون - أعني : حصول الجسم في الحيّز - أمر محسوس فيكون موجودا . وهو تمام ماهية الحركة والسكون ، وامتيازهما بالعوارض / 40 DA / الخارجية ، فيكون السكون موجودا كالحركة . وحينئذ لو كان قديما لامتنع زواله - لأنّ كلّ امر وجودي ثبت قدمه امتنع عدمه « 1 » - ، مع أنّ السكون يجوز زواله بالاجماع والبرهان ؛ أمّا الاجماع فلأنّ الأجسام عند الحكماء منحصرة في
--> ( 1 ) - راجع : رسالة الكندي إلى المعتصم باللّه ، ص 19 ؛ الحكمة المتعالية ، ج 8 ص 388 ؛ شوارق الالهام ، ج 1 ص 144 .